عبد الوهاب الشعراني
34
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
وقد يكون الحديث الشّريف قدسيّا أو نبويّا ، وقد يكون تفكّر المتوهّم الجانح إلى الشّطط والتّكلّف في فهم النّصّ فهما لا يليق بجناب الحقّ تقدّست أسماؤه . ومن مثل الأوّل ، أعني التّوهّم الواقع في النّصّ القرآنيّ ، والآتي منه ، توهّم أنّ للحقّ وجها كوجه الخلق أخذا من قول الحقّ - تعالى - : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ « 1 » ، وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 2 » ، وكذلك توهّم أنّ الحقّ - تعالى - في جهة الفوق لا التّحت أخذا من قوله - تبارك - : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) . ومن مثل التّوهّم الواقع في الحديث الشّريف والآتي منه توهّم نزول الحقّ وتحيّزه ، وأنّ له ذاتا تقييديّة أخذا من قول الرّسول الكريم - صلّى اللّه عليه وسلّم - : " ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا ، فيقول : هل من سائل فأعطيه سؤله . . . إلى آخر ما ورد أنّه نزول بذاته ، ومن مثله توهّم أنّ اللّه - عزّ وجلّ - خلق الخلق وقد تركهم ولم يبال بهم أخذا ممّا ورد في الحديث القدسيّ : " هؤلاء للجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء للنّار ولا أبالي " . ومن مثل الأخير توهّم يرد على أهل الفهم السّقيم قائل بأنّ الحقّ مستفيد من الخلق ، وكذلك الظّنّ بأنّ نزول البلاء على أهل محلّة العاصي ليس بعدل ، وكذلك أنّ في التّسبيح تنزيها للحقّ - تعالى - عن النّقائص ؛ ذلك أنّه لا يصحّ في الفهم تنزيه إلّا مع تعقّل لحوق صفات النّقص له ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . ولعلّ مستصفى القول في هذا المبحث هو عدّ هذه الآيات ونحوها من المتشابه « 3 » ، ولست إخال أنّ ملمح التّشابه فيها آت من جهة كونها مشكلة معتاصا أمرها ، وإنّما هو آت من تباين الوجهات في المعتقد ، وطرائق التّفكير والاستدلال ، فقد اختلف النّاس في الوارد منها فكانوا على ثلاث شعب أولاها تغييب التّأويل وانتفاؤه ، فالآيات محكمات تفهم على ظاهرها ، وثانيتها الاعتقاد بالتّأويل مع الإمساك عنه ، وثالثتها الاعتقاد بالتّأويل مع الإقدام عليه بما يليق به عزّ « 4 » ، ولعلّ الذين قالوا بتغييب التّأويل وانتفائه قد عوّلوا على مطابقة المعنى لظاهر اللّفظ ، أمّا الذين اعتقدوا بوجوب
--> ( 1 ) ( الرحمن ، الآية 27 ) . ( 2 ) ( القصص ، الآية 88 ) . ( 3 ) انظر : الراغب ، المفردات ، 254 ، والزركشي ، البرهان ، 2 / 78 ، والسيوطي ، الإتقان ، 685 . ( 4 ) انظر : الزركشي ، البرهان ، 2 / 78 .